فخر الدين الرازي

72

القضاء والقدر

الجسم ، وعلى خلق الحياة ، وإنما قلنا : إنه لا يجوز أن يكون قادرا لذاته ، لأن ذلك القادر لا بد وأن يكون جسما - والأجسام متماثلة - فلو كان الجسم قادرا لذاته ، لكان كل جسم كذلك . ضرورة أن حكم الشيء حكم مثله . ولما بطل هذا ، علمنا : أنه لا يجوز أن يكون قادرا لذاته . وإنما قلنا : إنه لا يجوز أن يكون قادرا بالقدرة . لأن القدرة لا تصلح بفعل الجسم . ويدل عليه وجهان : الأول : إن القدرة التي لنا ، لا تصلح لفعل الأجسام ، فهذا الامتناع حكم مشترك فيه بين القدرة التي لنا . والحكم مشترك لا بد من تعليله بوصف مشترك فيه . وما ذاك إلا كونها قدرا . فثبت : أن كون القدرة قدرة : مانعة من صلاحية إيجاد الجسم . فوجب أن تكون كل قدرة كذلك . الثاني : إن كل قدرة نفرضها . فهي إما أن تكون مثلا لهذه القدرة الحاصلة لنا ، أو مخالفا لها . فإن كانت مثلا لهذه القدرة ، وجب أن لا تكون صالحة للإيجاد . كما أن هذه القدرة غير صالحة للإيجاد . ضرورة أن حكم الشيء حكم مثله . وإن كانت مخالفة لهذه القدرة ، لم تكن مخالفتها لهذه القدرة أشد من مخالفة بعض هذه القدر لبعض . فلما كانت هذه القدر مع كون بعضها مخالفا للبعض ، لا يصلح للإيجاد . فكذلك تلك القدرة المفروضة ، وجب أن لا تصلح للإيجاد . هذا حاصل ما لخصه القوم ، وعولوا عليه ، في أن فاعل المعجزات هو اللّه تعالى . وهو كلام في غاية الرخاوة والسقوط . فنقول : لم لا يجوز أن يكون ذلك الفاعل قادرا لذاته لكان كل جسم كذلك . ضرورة أن الأجسام متماثلة » لكنا لا نسلم أن ذلك الفاعل يجب أن يكون جسما . وذلك لأن الفلاسفة يثبتون موجودات لست متحيزة ولا حالة في المتحيز كالعقول والنفوس الفلكية ، والنفوس الناطقة . فما لم تقيموا الدلالة على فساد هذا التقسيم ، لا ندرك الجزم بأن ذلك الفاعل ، يجب أن يكون جسما . والمتكلمون ما ذكروا في إبطال هذا القسم كلاما يصلح أن يلتفت إليه بل نقول : لم لا يجوز أن تكون النفس الناطقة التي لهذا الشيء ، هي التي أحدثت هذا المعجز . وما كانت نفسه مخالفة لسائر النفوس في الماهية ، لم يلزم من قدرته على تلك الأفعال قدرة غيرة عليها ؟ . وبالجملة : فهذا الاحتمال لا يندفع إلا بإقامة الدلالة على أن كل ما سوى اللّه تعالى ، فهو إما متحيز ، أو حال فيه . سلمنا : أن ذلك الفاعل يجب أن يكون جسما . فلم قلتم : إن الأجسام كلها متماثلة ؟ وما الدلالة على ذلك ؟ وتقريره : إن المعلوم : هو أن الأجسام متساوية في وجوب الحصول في الحيز ، وفي كونها بحيث يمنع غيرها عن أن يحصل بحيث هو ، وفي كونها قابلة للأعراض . إلا